عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
246
اللباب في علوم الكتاب
وقرأ عبد « 1 » اللّه : « والذين يفعلونه منكم » وهذه قراءة مشكلة ؛ لأنّها بصيغة الجمع ، وبعدها ضمير تثنية وقد يتكلّف تخريج لها ، وهو أنّ « الذين » لمّا كان شاملا لصنفي « 2 » الذّكور والإناث عاد الضّمير عليه مثنى اعتبارا « 3 » بما اندرج تحته ، وهذا كما عاد ضمير الجمع على المثنّى الشّامل لأفراد كثيرة مندرجة تحته ، كقوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] ، و هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا [ الحج : 19 ] كذا قاله أبو حيان . قال شهاب الدّين : وفيه نظر ، فإنّ الفرق ثابت ، وذلك لأن « الطّائفة » اسم لجماعة « 4 » ، وكذلك « خصم » ؛ لأنّه في الأصل مصدر فأطلق على الجمع . وأصل « فآذوهما » فآذيوهما ، فاستثقلت الضّمّة على الياء فحذفت ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الياء الّتي هي لام الكلمة وضمّ ما قبل الواو لتصحّ . فصل [ في اختلاف العلماء في وجه التكرير ] فصل اختلفوا في وجه هذا التّكرير ، فقال مجاهد « 5 » : الآية الأولى في النساء وهذه في الرّجال ، وخصّ الحبس في البيت بالمرأة ، وخصّ الإيذاء بالرجال ؛ لأنّ المرأة إنما تقع في الزّنا عند الخروج والبروز ، وإذا حبست في البيت انقطعت مادّة هذه المعصية ، وأمّا الرّجل فلا يمكن حبسه في البيت ؛ لأنّه يحتاج إلى الخروج لإصلاح معاشه ، ومهماته ، وقوت عياله . وقيل : إنّ الإيذاء مشترك بين الرّجل والمرأة ، والحبس كان من خواصّ المرأة . وقال السّدّيّ : المراد بهذه الآية البكر من الرّجال والنّساء وبالآية الأولى للثيب « 6 » لوجوه : الأوّل : قوله : وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فأضافهن إلى الأزواج . الثّاني : أنّه سماهنّ نساء ، وهذا الاسم أليق بالثّيب . الثالث : أنّ الإيذاء أحقّ من الحبس في البيت ، والأخف للبكر دون الثّيب . وقال أبو مسلم « 7 » : الآية الأولى في السّحاقات ، وهذه في أهل اللّواط ، وقد تقدّم . وقيل : إنّه بيّن في الآية الأولى أنّ الشهداء على الزّنا لا بدّ وأن يكونوا أربعة ، وبين في هذه الآية أنّهم لو كانوا شاهدين فآذوهما بالرّفع إلى الإمام والحدّ ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما .
--> ( 1 ) انظر : المحرر الوجيز 2 / 22 ، والبحر المحيط 3 / 207 ، والدر المصون 2 / 332 . ( 2 ) في أ : لذكر تصنيفي . ( 3 ) في أ : تبعا . ( 4 ) في أ : لجميع . ( 5 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 190 ، والبغوي ( 1 / 406 ) . ( 6 ) في ب : لتثبت . ( 7 ) ينظر : تفسير الرازي 9 / 190 .